| 
منتدى البحرين: الجلسة الثانية لمحاكمة العلماء، بين تقييد الدفاع والإكراه على الاعتراف إفادات محامين بشأن تعرض العلماء لأكثر من 20 نمطًا من الانتهاكات أثناء الاعتقال
يتابع منتدى البحرين لحقوق الإنسان التطورات المتسارعة في القضية المنظورة أمام المحكمة الكبرى الجنائية الأولى، المتعلقة بمحاكمة عدد من كبار علماء الدين الشيعة في البحرين، والتي تكشف، وفق ما وثقه المنتدى من إفادات محامين ومصادر محلية، عن نمط متصاعد من الانتهاكات التي تمس ضمانات المحاكمة العادلة، والحرية والكرامة الإنسانية والأمان الشخصي، والتي تصل إلى التعذيب وسوء المعاملة في مواضع عدّة. وهي انتهاكات لحقوق تكفلها المواثيق الدولية والدستور البحريني. وتأتي هذه المستجدات في سياق حملة الاعتقالات التي بدأت في 9 مايو/أيار 2026، عندما أعلنت وزارة الداخلية توقيف 41 عالم دين شيعي، وأتبعتها بإجراءات شملت الحبس الاحتياطي، والتحفظ على الأموال، والكشف عن الحسابات المصرفية، على خلفية اتهامات تتعلق، بحسب زعمهم، بارتباطهم بتنظيم أمني وسياسي معيّن. إنّ المنتدى يدين بشدّة ما ورد في الإفادات والمصادر المحلية، والتي تدلّ على الاستخفاف الصريح بالعهود والمواثيق الدولية ونصوص الدستور المحلي، بدأً من الاستسهال في اللجوء إلى أساليب التهديد والتعذيب وصولًا إلى حدّ المس بالكرامة الإنسانية، والتي يُعدّ صونها من المبادئ الأساسية في القانون الدولي لحقوق الإنسان، إذ نصّت المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن "يولد جميع الناس أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق". ويؤكّد المنتدى على خطورة مسار هذه المحاكمات وما له تداعيات سلبية وخطيرة على العدالة القضائية والأمن الاجتماعي في البلاد. وفي هذا السياق، يرى المنتدى أن مجريات القضية والإجراءات المتخذة بحق المتهمين تكشف عن عدد من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها الحق في الدفاع، وقرينة البراءة، واستقلال القضاء، وعدم التعرض للتعذيب أو المعاملة المهينة. الأمر الذي يستوجب تحقيقًا مستقلًا وعاجلًا، لضمان المساءلة وجبر الضرر، وفقًا للمعايير الدولية. أولاً: الجلسة الأولى؛ مؤشرات مبكرة على الإخلال بضمانات المحاكمة العادلة أظهرت الجلسة الأولى للمحاكمة عدة انتهاكات تمس سلامة الإجراءات القضائية، أولها مثول المتهمين أمام المحكمة عبر تقنية الاتصال المرئي من داخل أماكن احتجازهم، واقتصار الحضور داخل قاعة المحكمة على أطراف الدعوى، الأمر الذي حدّ من العلنية التي تعد أحد أعمدة المحاكمة العادلة. كما أفادت هيئة الدفاع حرمانها من الاطلاع على ملف القضية والحصول على لائحة الاتهام الرسمية أو محاضر استجواب المتهمين أمام النيابة العامة، أو حتى مقابلة المتهمين قبل مباشرة الجلسة، مما حال دون إعداد دفاع قانوني فعّال وقوّض عملهم بشكل كامل. وهو ما يتعارض مع الفقرة 13/د من المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تكفل لكل متهم الوقت والتسهيلات الكافية لإعداد دفاعه، كما يتعارض مع الفقرة ه من المادة 20 من دستور مملكة البحرين التي تكفل حق المتهم في الاستعانة بمحام في الجنايات، وهو ضمان دستوري لا يجوز الانتقاص منه تحت أي مبرر يتعلق بطبيعة الاتهام. بالإضافة إلى حصول المنتدى على معلومات تفيد بأن عددًا من المحامين قد قوبلوا بالتهديد باتخاذ إجراءات تأديبية بحقهم عندما اعترضوا على مباشرة الدفاع في ظل تلك الظروف، في حين قامت المحكمة بتعيين محامين منتدبين لبعض المتهمين من تلقاء نفسها، علمًا أن المتهمين وعائلاتهم سبق أن وكلوا محامين من اختيارهم، مما شكّل انتهاكًا لمبدأ حق المتهم في اختيار محاميه، وهو حق تكفله الفقرة 3/د من المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. كما أكدت المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين، المعتمدة من الأمم المتحدة منذ عام 1990، أن لكل شخص محتجز الحق في الاتصال بمحامٍ دون تأخير، وبما لا يتجاوز ثمانٍ وأربعين ساعة من لحظة الاحتجاز، وأن تتم جميع الاتصالات بين المحامي وموكله بسرية تامة. ويشدد المنتدى على أن أي أقوال واعترافات يتم الحصول عليها نتيجة الإكراه أو الضغوط النفسية أو الجسدية، وفي ظل الحرمان من المساعدة القانونية، تفتقر إلى الحجية القانونية. ثانيًا: الجلسة الثانية؛ مخالفة مبدأ تكافؤ وسائل الدفاع واستمرار القيود عليها خلال الجلسة الثانية، امتثل علماء الدين مرة أخرى عبر تقنية الاتصال المرئي من داخل أماكن احتجازهم، حيث أنكروا جميع التهم المنسوبة إليهم، إلا أنّه عند شروعهم في الإدلاء بأقوالهم جرى خفض الصوت، ما حال دون سماع أقوالهم أو مرافعاتهم بوضوح، وبالتالي منعهم من ممارسة حقهم في الدفاع عن أنفسهم، وهو ما يتعارض مع المادة (14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تضمن لكل متهم الحق في المشاركة الفعلية في محاكمته. كما رفضت المحكمة طلب هيئة الدفاع تسليمها نسخة من ملف القضية، الذي يتجاوز خمسة آلاف صفحة، واكتفت بالسماح للمحامين بالاطلاع عليه داخل المحكمة لمدة لا تتجاوز ساعتين، وهو ما اعتبرته هيئة الدفاع غير كافٍ لإعداد دفاع فعّال في قضية بهذا الحجم والتعقيد. ويؤكد منتدى البحرين أن هذا الإجراء يشكل انتهاكًا لمبدأ تكافؤ وسائل الدفاع، الذي يعدّ أحد المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة، ويقتضي تمكين الدفاع من الاطلاع الكامل على الأدلة التي تستند إليها النيابة العامة، وإتاحة الوقت الكافي لدراستها ومناقشتها. ثالثًا: استمرار القيود على التواصل مع المحامين والأسر وثّق منتدى البحرين استمرار القيود المفروضة على حق المحتجزين في التواصل مع محاميهم وأسرهم، حيث علم أن المحامين لم يتمكنوا من لقاء موكليهم خلال مرحلة التحقيق، ولم يُسمح بذلك إلا بعد مطالبات متكررة أمام المحكمة. كما أفادت المعلومات الواردة بأن الاتصالات الهاتفية تخضع لرقابة مباشرة من عناصر الشرطة، مع التدخل في مجريات المكالمات وقطعها إذا تناولت أوضاع الاحتجاز أو القضية، فضلًا عن استمرار حرمان علماء الدين من الزيارات العائلية منذ قرابة شهرين. ويؤكد المنتدى أنّ هذه الإجراءات تتعارض بشكل صريح مع قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا)، ولا سيما القواعد المتعلقة بحق السجين في التواصل المنتظم مع أسرته ومحاميه، كما تمس بالمادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تكفل حق المتهم في الاتصال بمحاميه بصورة فعالة، والمادة 10 من العهد ذاته التي تلزم الدول بمعاملة جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم بما يحفظ كرامتهم الإنسانية. رابعًا: إفادات موثقة بشأن التعذيب وسوء المعاملة داخل أماكن الاحتجاز تلقى منتدى البحرين لحقوق الإنسان إفادات من محامين تمكنوا من التواصل مع عدد من المحتجزين، إضافة إلى معلومات من مصادر محلية موثوقة، تفيد بتعرض عدد من علماء الدين لانتهاكات جسيمة أثناء احتجازهم، من تعذيب ومعاملة حاطة للكرامة الإنسانية، أبرزها إجبار عدد من المحتجزين على توقيع على اعترافات وإفادات ومحاضر لم يطلعوا على مضمونها خلال مراحل التحقيق، تحت طائلة التهديد بإسقاط جنسياتهم، والتعذيب الجسدي، بل وحتى التعرّض لحرماتهم الجسدية الخاصّة. إضافةً إلى تلقيه معلومات تفيد بتعرض عدد من علماء الدين للضرب وسوء المعاملة على أيدي عناصر أمنية، وإخضاع بعضهم لإجراءات مهينة، من بينها تكبيل الأيدي لفترات طويلة، وتغطية الوجه، والحرمان من الراحة، والحصول على بعض الأدوية، والبصق في وجوههم، فضلًا عن تعرضهم لإهانات لفظية وإساءات استهدفت انتمائهم المذهبي، شملت ألفاظًا مهينة بحق المذهب الجعفري ورموزه وشعائره. كما تمّ توثيق الحالات التالية: تعرض الشيخ فاضل الزاكي لاعتداء جسدي ومعاملة مهينة، وتعرض الشيخ محمد جواد الشهابي لاعتداء جسدي و إساءات لفظية ومذهبية أثناء احتجازه، وهي معلومات تستوجب تمكين جهات مستقلة من التحقق منها بصورة عاجلة حفاظًا على سلامتهم. وعليه، يشدّد المنتدى أنّ هذه الانتهاكات محظورة بموجب عدد من المعايير الأممية والاتفاقيات الدولية. ففي هذا السياق، تنصّ المادة 2 من اتفاقية مناهضة التعذيب على الحظر المطلق للتعذيب، وتؤكد عدم جواز التذرّع بأي ظروف استثنائية لتبريره، بما في ذلك الحرب أو عدم الاستقرار السياسي الداخلي، أو بالأوامر الصادرة عن مسؤول أعلى مرتبة. كما تُلزم المادة 13 من الاتفاقية الدولةَ بضمان حق الضحايا في تقديم الشكاوى من دون تعرّضهم للتهديد أو الانتقام، فيما تحظر المادة 15 الاستناد إلى أي أقوال أو اعترافات يثبت انتزاعها تحت التعذيب أو الإكراه. وتتعارض هذه الانتهاكات كذلك مع المادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تحظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، ومع المادة 10 منه، التي توجب معاملة جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم معاملةً إنسانية تصون كرامتهم المتأصلة. كما تشكّل هذه الممارسات مخالفةً لقواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا)، ولا سيما القاعدة 1، التي تؤكد وجوب احترام الكرامة الإنسانية لجميع المحتجزين، والقاعدة 43، التي تحظر التدابير التي تشكل تعذيبًا أو معاملة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة، فضلًا عن القواعد المتعلّقة بالرعاية الصحية والتواصل مع العالم الخارجي. خامسًا: تجريم الشعائر الدينية وحرية المعتقد يرى المنتدى أن مجريات القضية تكشف عن ربطٍ مسيّسٍ ومتعمّد لعدد من الممارسات الدينية المشروعة بالتجريم الأمني، وفي مقدمتها إدارة بعض الأنشطة الدينية، وإلقاء الخطب والمحاضرات، وجمع اموال الخُمس على وجه الخصوص. ويعدّ الخُمس فريضة دينية لدى أتباع المذهب الجعفري، وتندرج ممارسته، شأنه شأن غيره من الشعائر الدينية، ضمن نطاق الحماية التي تكفلها المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تنص على حق كل إنسان في حرية الفكر والوجدان والدين، بما يشمل إظهار دينه أو معتقده بالتعبّد وإقامة الشعائر وممارستها وتعليمها. وبالتالي يجب أن تستند أي مساءلة جنائية إلى أفعال جرمية محددة وثابتة بأدلة قانونية كافية، وفقًا لمبدأ الشرعية الجنائية ومبدأ المسؤولية الجنائية الفردية، وألّا تُبنى على الانتماء الديني أو على ممارسة الشعائر المشروعة. وعليه يؤكد المنتدى أن تجريم الفكر أو المعتقد، أو تصويره بحد ذاته كدليل على الخطر الأمني، يتعارض مع الضمانات الدستورية والدولية المتعلقة بحرية الفكر والضمير والدين، وحرية الرأي والتعبير، لا سيما المواد 20 و 22 و 23 من دستور البحرين والمواد 18 و 19 و 26 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. . سادسًا: تصريحات وزير الداخلية والتباين في الرواية الرسمية يتوقف المنتدى عند التصريحات العلنية التي أدلى بها وزير الداخلية، وربط فيها حملة الاعتقالات بمواقف عبّر عنها بعض الخطباء والعلماء إزاء التطورات الإقليمية، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة بشأن الخلفيات الفعلية للاعتقالات والمحاكمة. فقد لاحظ المنتدى وجود تباين بين الرواية التي قدمتها وزارة الداخلية عقب تنفيذ الاعتقالات، والتي تحدثت عن وجود تنظيم مرتبط بالحرس الثوري الإيراني وولاية الفقيه، وبين البيانات اللاحقة الصادرة عن النيابة العامة، التي لم تتبنَّ جميع العناصر الواردة في البيان الأمني الأول، واقتصرت على إسناد اتهامات محددة إلى بعض المتهمين. ويذكّر المنتدى أن حرية الرأي والتعبير، بما في ذلك التعبير عن المواقف السياسية أو الدينية بصورة سلمية، هي حقوق مكفولة بموجب المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا يجوز أن تكون حجّةً للملاحقة الجنائية، ما لم تقترن بدليل واضح على ارتكاب جريمة يعاقب عليها القانون. بناءً على ما تقدم، يدعو منتدى البحرين لحقوق الإنسان حكومة البحرين إلى التالي: - الإفراج الفوري وغير المشروط عن علماء الدين المحتجزين، وجبر الضرر المادّي والمعنوي الذي لحق بهم، وإنهاء جميع أشكال الاحتجاز التعسّفي.
- فتح تحقيق دولي مستقل ومحايد وفوري في جميع الإفادات المتعلقة بالتعذيب وسوء المعاملة، والإكراه على التوقيع على الإفادات، والإساءات ذات الطابع المذهبي، مع ضمان مساءلة جميع المسؤولين عن أي انتهاكات يثبت التحقيق وقوعها، أيًّا كانت مناصبهم.
- ضمان حق جميع المتهمين في محاكمة عادلة وعلنية أمام محكمة مستقلة، وتمكين الدفاع من الاطلاع الكامل على الأدلة ومحاضر التحقيق، ومنحه الوقت والتسهيلات المطلوبة.
- ضمان حق جميع المتهمين في التواصل السرّي والمنتظم مع محاميهم، والسماح بالزيارات العائلية، ورفع القيود على الاتصالات الهاتفية.
- احترام قرينة البراءة في جميع البيانات الرسمية الصادرة عن أي جهة حكومية، والامتناع عن إصدار بيانات إعلامية تتضمن استخدام صياغات تهميّة قبل صدور حكم قضائي نهائي، وتؤثر بالتالي على الرأي العام ومجريات المحاكمة العادلة.
- احترام مبدأ عدم التمييز، وضمان عدم استهداف أي فئة دينية أو مذهبية بناءً على معتقداتها أو مؤسساتها الدينية أو قياداتها الروحية.
- التوقف عن استخدام إسقاط الجنسية، تهديدًا وتنفيذًا، كوسيلة للعقاب أو الإقصاء السياسي، واتخاذ التدابير اللازمة لمعالجة الآثار القانونية المترتبة على قرارات الحرمان التعسفي من الجنسية.
- الالتزام الكامل بالدستور البحريني والقوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية التي وقّعت عليها البحرين.
كما يدعو المنتدى مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، والمقرر الخاص المعني بالتعذيب، والمقرر الخاص المعني بحرية الدين أو المعتقد، والمقرر الخاص المعني باستقلال القضاة والمحامين، والفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، إلى متابعة هذه القضية بصورة عاجلة، ومخاطبة حكومة البحرين لطلب معلومات مفصّلة بشأن أوضاع المحتجزين والضمانات القانونيّة المتاحة لهم، والسعي إلى إجراء زيارات ميدانية وتقصّي الحقائق متى أمكن ذلك، فضلًا عن تقييم مدى توافق الإجراءات المتخذة مع التزامات البحرين بموجب القانون الدولي. وفي الختام، يشدّد منتدى البحرين لحقوق الإنسان على تحميل السلطات، لا سيما ملك البحرين ورئيس الوزراء، المسؤولية الكاملة عن سلامة العلماء المعتقلين وعن أيّ أذى جسدي أو نفسي قد يلحق بهم جرّاء هذا الاحتجاز التعسفي. منتدى البحرين لحقوق الإنسان 16 يوليو/تموز 2026 |